محمد بن طولون الصالحي

460

القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية

يقرئ الضعفاء القرآن ، ويطعمهم ، ويبذل لهم نفسه ، وكان من أكثر الناس تواضعا واحتقارا لنفسه ، وما أعلم أني رأيت أحدا أشد خوفا منه ، وكان كثير الدعاء والسؤال للّه تعالى ، وكان يطيل الركوع والسجود في الصلاة ويقصد ان يقتدي بصلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يقبل من أحد يعذله في ذلك . وقال الضياء : كان عالما بالقرآن والنحو والفرائض وغير ذلك من العلوم ، وصنف كتاب الفروق في المسائل الفقهية ، وكتابا في الاحكام ، لكنه لم يتممه ، وكان مليحا ، وكان من كثرة اشغاله واشتغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة ، وكان يتألف الناس ويلطف بالغرباء والمساكين حتى صار من تلاميذه جماعة من الأكراد والعرب والعجم ، وأنواع المذاهب ، وكثير منهم رجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه ، وكان سخيا كثير المعروف ، وأقام بحران مدة وانتفعوا به ، وكان يشغل بالجبل إذا كان الموفق بالمدينة ، فإذا صعد الموفق نزل هو فاشتغل بالمدينة ، وكان يقعد في جامع دمشق من الفجر إلى العشاء لا يخرج الا لما لا بد منه ، وما علمت أنه دخل إلى سلطان ولا وال ولا تعرف بأحد منهم ، وخرج مرة إلى قوم من الفساق فكسر ما معهم فضربوه حتى غشي عليه ، فأراد الوالي ضربهم فقال ان تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذهم وهم في حل من قبلي فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه ، وكان إذا أخذ من لحيته أو أنفه شعرة أو برى قلما جعل ذلك في عمامته ، وإذا كان على ثوبه غبار ذهب ونفضه خارج المسجد ، وكان لا يرى أن تخرج الحصير منه ليجلس عليها ، والحصير التي للمحراب لا يجلس عليها خارج المحراب ، وإذا دخل إلى بيت الماء ولم يسم خرج فسمى ثم دخل ، وكان أكثر الناس ذما لنفسه وإذا غاب أحد من اخوانه ارسل إلى بيته النفقة وغيرها ، وربما أرسل اليه بعضهم يشتري له حاجة فزاد في ثمنها من عنده ولا يعلمه ، وكان يدعو لمن